أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
234
العقد الفريد
فما أتممته حتى قامت الجارية فأكبّت على رجلي تقبلها ، وقالت : معذرة إليك ! فو اللّه ما سمعت أحدا يغني هذا الصوت غناءك ! وقام مولاها وأهل المجلس ففعلوا كفعلها ، وطرب القوم واللّه واستحثوا الشراب ، فشربوا بالكاسات والطاسات ؛ ثم اندفعت أغني : أبى اللّه أن تمشي ولا تذكرينني * وقد سفحت عيناي من ذكرك الدّما فردّي مصاب القلب أنت قتلته * ولا تتركيه ذاحل العقل مغرما إلى اللّه أشكو بخلها وسماحتي * لها عسل مني وتبذل علقما « 1 » إلى اللّه أشكو انها مداريّة * وإني لها بالودّ ما عشت مكرما فطرب القوم حتى خرجوا من عقولهم ، فأمسكت عنهم ساعة حتى تراجعوا ثم اندفعت أغني الثالث : هذا محبّك مطويّ على كمده * حرّى مدامعه تجري على جسده « 2 » له يد تسأل الرحمن راحته * مما جنى ، ويد أخرى على كبده فجعلت الجارية تصيح : هذا الغناء واللّه يا سيدي لا ما كنا فيه ! وسكر القوم ، وكان صاحب المنزل حسن الشرب صحيح العقل ، فأمر غلمانه أن يخرجوهم ويحفظوهم إلى منازلهم ، وخلوت معه ؛ فلما شربنا اقداحا قال : يا هذا ! ذهب ما مضى من أيامي ضياعا إذ كنت لا أعرفك ؛ فمن أنت يا مولاي ؟ ولم يزل يلحّ حتى أخبرته الخبر ، فقام وقبّل رأسي وقال : وأنا أعجب يا سيدي أن يكون هذا الأدب إلا لمثلك ، وأنّى لي أن أجالس الخلفاء ولا اشعر ؟ ثم سألني عن قصتي فأخبرته ، حتى بلغت خبر الكف والمعصم ؛ فقال للجارية : قومي فقولي لفلانة تنزل . . .
--> ( 1 ) السماحة : الجود . ( 2 ) الكمد : الحزن الشديد .